اُراء ومقالاتالرئيسيةكتابات

سلسلة ردود المفكر عزان على ملازم الحوثي: «العَلَم» عند الحوثي.. من هو وما دوره؟ (1)

سلسلة ردود المفكر عزان على ملازم الحوثي: «العَلَم» عند الحوثي.. من هو وما دوره؟ (1)

المفكر محمد عزان

الأعلام – حسب كلام الحوثي – هم أشخاص معينين بأمر السماء ليكونوا قدوة المجتمع وحاملي راية الهداية فيه، لذلك يجب أن يلتف الناس حولهم، ولا يأخذون العلم والهداية إلا عنهم، ولا يلتفتون إلى أحد سواهم مهما بلغ من العلم والمكانة. وهم نوعان:

*  الأنبياء الذين يُعينهم الله لحمل رسالاته. وهذا من المسلمات في الملل الدينية، وإنما ذكرها ليهيئ بها عقول المتلقيّن حتى يَعبُر إلى النوع الثاني الذي هو مقصده، وهو محل الإشكال هنا.

* أعلامٌ يُعيّنهم النبي لهداية الأمة وقيادتها، وليس لأحد أن يختار أعلاماً لنفسه يقتدي بهم، فالمسألة في نظره محسومة من قبل السماء، وليست مفتوحة! [1].

صحيح أن الحوثي لم يأت بجديد في عموم هذه الفكرة، وأن كثيراً من الاتجاهات الدينية وحركات الدين السياسي قد سبقته إلى مثلها بطريقة أو بأخرى، ولكن الفرق الذي تميز به: أنه جعل العَلَمية أمراً حتمياً من السماء، ولا تستقيم الحياة ولا ينفع العقل والقرآن بغيرها، ثم حصرها – على أساس عنصري – في أسرة معينة، كما سيأتي.

🔸 وتختلف «العَلَمية» هنا عن «الإمامة الهادوية» بأنها لا تقتصر على الاختصاص بالقيادة السياسية والعسكرية؛ بل تمتد إلى احتكار الهداية الدينية والقدرة على فهم النص، والتّفرد بإمكانية الانتصار على الأعداء! [2]. وبالتالي ليس الشخص بحاجة إلى أن يكون إماما حتى يصبح عَلَماً؛ بل على الإمام أن يصبح عَلَماً لكي يكون إماماً! وبهذا أراد أن يلتف على شروط الإمامة عند «الهادوية» خصوصاً تلك المتعلقة بما يصفونه بالكمال العِلمي، الذي لا يتمتع به، لا هو ولا من يتوقع أن يخلفه [3].

🔸 ويرى الحوثي أنه لا يمكن أن يعرف أحد طريق الهداية إلا بتلك الأعلام، مهما كان عقلُه وذكاؤه ومعرفته. ومِنْ أخطر ما في هذا أنه يؤكد في كثير من ملازمه أن جميع الأنبياء وسائر كتب السماء لا فائدة منها إلا من خلال «العَلم» الذي يقدمها للناس، فهو وحده المخوّل بذلك، وإلا فستكون الأمور فوضى، فهداية القرآن وغير القرآن لا بد أن تمر عبر «العَلَم» وإلا فهي ضلالة وعمى. [4].

وهنا يُسَطّح المسألة لتجد طريقها إلى عقول البسطاء وعوام والمثقفين، فيحتج بأن المفسرين للقرآن أولوا القرآن بطريقة غير صحيحة، وعلماء الدين اختلفوا في الدين، ورواة الحديث قدموا أحاديث غير صحيح، وما ذلك – في نظره – إلا لأنهم تركوا «الأعلام»، أو اتخذوا لأنفسهم أعلاماً آخرين .

📌 بهذه الفكرة – التي ضخها الحوثي بمرطبات دينية – أراد الأخ أن يشكل جمهوراً من الأتباع المقلدين الذين لا يُجيدون سوى التّفنن في الطاعة العمياء، ليتحولوا إلى جيش يفرض واقعاً معيناً على الحياة، حتى أنه كان يشكوا من معارضتنا له ويعبر عنا في ملازمه بـ(فلان وفلان)، ويطلب ممن يناقشه من أصحابنا أو يعترض عليه أن يخرجوا من البلاد ويهاجروا ويتركونه يُقولب الناس كما يريد [5].

وهو ما تحقق له بالفعل، نتيجة جهل الناس، وغياب مؤسسات الدولة؛ واستهدافها (لما كان يُعرف بالشباب المؤمن، الخط المنافس يومها والرافض لما كان يطرح الحوثي)، بحجة أنهم من نفس الخلفية الدينية وفي نفس السياق التاريخي العام!

✍ ما تقدم كان عرضاً للفكرة مع توثيقها في الهامش، ومجرد العرض كاف عند كثير من العقلاء في الرد عليها؛ لأن أقل ما تعنيه أنه: لا عقلُ الإنسان، ولا وحي السماء، يمكن أن يقوده إلى الهداية، إلا بمقدار ما يوصله إلى معرفة العَلَم. وكذلك لا شيء من كثرة الدراسة والقراءة والبحث والتأمل يمكن أن يمنحه البَصيرة، وإنما عليه فقط أن يبحث عن «العَلَم»، ويُسلّم «للعلم»، ويطيع «العلم»، ويستغني – باتباع «العَلَم» – عن النّظر والنقاش وإعْمال المنطق وأصول الفقه ومناهج التفكير وأساليب ضبط الأخبار وتصحيح الروايات ومختلف أوجه المعرفة.

غير أنه لا يزال هنالك – للأسف – من يرى أنها فكرة صحيحة ديناً قياساً على عَلَميّة الأنبياء، وعملاً لكونها توحّد مرجعية الناس وتحميهم من التّفرق، والله لا يرضى لهم ذلك، لذلك سنكشف عوار فكرة العلمية بالآتي:

❶ العلمية نوع من أنواع الصّنمية، التي جاء الإسلام ليقضي عليها، فحتى النبي أمره الله أن يُقدم نفسه كمبلغ فقط، ويتبرأ من صنمية العَلَمية بالمفهوم الذي قدمه الحوثي: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ .. فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} فتبرأ من خصوصية التَّمثل للحق، وأكد أنما هو مبلّغ، وأحال الناس إلى العمل.

❷ فكرة العَلَمية، تتعارض مع طبيعة الخلق والتكوين، فـالله هو الذي {أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا.. وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، فجعل تلك الأدوات وسيلة الإنسان في التعامل مع ما كُلف به إلى حيث انتهت به. ولم يكلف الإنسان بالانقياد المطلق حتى للأنبياء، فكيف بأعلام وهمية!

❸ يَفترض الحوثي أنه يجب أن يكون الناس على رأي وفكرة واحدة، ويجب أن تكون تلك الفكرة فكرته هو؛ لأن ما عداها خطأ في نظره، كما هو رأيه في كثير من الصحابة والتابعين وأئمة العلم حتى أنه وصف بعض علماء الزيدية – الذي لم يكونون على مزاجه – بالمنحطين [6]. وبهذا يكون قد زاد من فُرقة الأمة واختلافها؛ بل لقد أدخل مجتمعنا الصغير في صراع وتشرذم وعداوات لا تنتهي، كما هو حاصل اليوم ببركات نظريته هذه.

❹ تحدث عن أن النبي فقط هو من يُعين الأعلام وليست المسألة مفتوحة، وفي نفس الوقت اكتفى بمجرد الدعاوى وتوزيع الأعلام هو، فهذا في نظره علم هداية وذاك علم ضلالة، ولم يورد شيئاً عن النبي يدل على علمية نَفسه التي يقدمها للمجتمع على هذا الأساس، ولا حتى على من سبقوه ممن يرى أنهم أعلام، واكتفى بما ورد في عموم أهل البيت، وهو ما سنناقشه باستفاضة لاحقاً.

❺ استغل الأخ حسين الحوثي الخطاب الديني لتحقيق غرض سياسي، وهو تكوين جماعة لا واعية تتميز بالطاعة المطلقة للقائد، ليتمكن من الضرب بها أينما يريد، حتى أنها دون مبالاة قد تفعل ما يستنكره العقل وتستقبحه الفطرة وينص الدين على حُرمته، ما دام العَلَم قد جوزه أو سكت عنه. أما إذا أمرهم أن يقتلوا أنفسهم وأبناءهم وآباءهم فأمره لا يرد؛ لأنه عَلَم يعْلَم ما لا نعلم!

❻ هو يدعي أنه من الزيدية، وهذه المسألة لا أساس لها عند الزيدية، فالزيدية لا يستخدمون هذا المصطلح، وهم مُطبقون على أن العَالِم والإمام مهما بلغا من العلم ليسا بحجة على أحد، ولا يتعين على أحد اتباعهما، حتى قال: الإمام زيد «والله ما ادعى أحد منَّا أن فينا إمام مفترض الطاعة علينا وعلى جميع المسلمين»[7]

وفي العلوم والمعارف يرون أنه يجب على كل قادر أن يجتهد في أصول الفقه وفروعه، والنظر في مسائل العقيدة على قدر علمه، حتى أن أول جملة في كتاب «متن الأزهار» تنص على أن: «التقليد في المسائل الفرعية العملية جائز لغير المجتهد» فقط.

___

الهوامش:

[1] قال الحوثي: «لا بد للأمة من أعلام تلتف حولها» «المسألة تأتي من قبل الله إلى رسوله، ثم من قِبَل رسوله، هو الذي يحدد للناس مَنهم الأعلام الذين يتمسك الناس بهديهم». «لنرتبط بهم فمن خلالهم نهتدي وعلى أيديهم نهتدي، لأن المسألة ليست مسألة مفتوحة».
[2] قال: “أمريكا وإسرائيل يعرفون أن أخطر الأمة عليهم هم آل محمد، وشيعتهم، وأنه لم ينتصر عليهم إلا آل محمد وشيعتهم… ولن تنتصر الأمة إلا تحت قيادة أبناء محمد وعلي بن أبي طالب صلوات الله عليهم”. وأضاف: “فالشيعة وخاصة الزيدية هم فعلاً من يكونون جديرون بأن يكونوا هم حزب الله الغالبون “.
[3] «بل تأثرت الزيدية نفسها عندما غابت عن المعايير التي وضعها الإمام الهادي عليه السلام باعتبارها معايير إلهية في بداية كتاب ( الأحكام ) فظهر لنا أئمة حتى داخل الزيدية ليسوا جديرين بأن يحكموا الأمة ، وصدروا في تاريخنا كأئمة من أهل البيت وليسوا كاملين ولا مؤهلين ،فعلاً وهم لا زالوا ولا يزال كثيرين في سلسلة أئمة الزيدية في كتبنا لأنهم جاءوا فيما بعد فجعلوا المقاييس مغلوطة للكمال هذا نفسه مثل أن يكون عالماً ، ويعني ذلك أن يكون مجتهداً ، ومعنى أن يكون مجتهداً أن يكون قد قرأ كذا كذا كذا إلخ».
[4] قال الحوثي: «لا يمكن أن تهتدي الأمة إلا على أيدي أعلام حتى تصبح في مستوى أن تكون حزب الله، أو أي مجموعة أخرى». «الأمة تحتاج إلى من يهديها بالقرآن .. تحتاج إلى من يفهم آياته فعندما رأت نفسها مستغنية.. ما الذي حصل؟ هل اهتدت فعلاً بالقرآن؟ لا.. بل ضلت ولم تهتد بالقرآن». «إذا قلنا: لسنا بحاجة إلى أعلام، فنحن نرى ما هو قائم نحن مختلفون فيه، فنحن رأينا أنفسنا ضعنا، وتهنا، ولم نهتد حتى والقرآن قائم بين أيدينا!» «معنى هذا أنه ما حصل لنا مخرج، والمخرج لا يتحقق إلا بمجموع الأمرين: كتاب وأعلام».
[5] قال الحوثي: «إذا أحد منكم يريد وفيه نخيط إنه يريد يطلع مجتهد – كما يقولون – فيهاجر، تمام؟ ويأتي إن شاء الله بعد عشر سنين، ويجلس مع طالب ينطلق انطلاقة قرآنية وسيرى [أنه] في ليلة واحدة يمكن أن ينسف أصول الفقه حق العشر سنين التي قرأها، وسيعرف بعدين أنه ضيع تلك الفترة كلها في جهل، في جهالات، في ضلالات متراكمة». «أنا أنصح أي شخص عنده ميول لأصول الفقه، وأشياء من هذه، أن يهاجر ويترك المراكز تقوم على اتجاه واحد، أصلح له، وأصلح للناس. أليس هذا أفضل؟ لا يجوز له أن يبقي مركز معين محل اختلاف، وقلق، أي مركز كان، أنا لا أعرِّفه، لا أقول هذا المركز يحصل فيه من هذا، لكن أعرف مناطق حصل فيها من هذا القبيل. يا أخي أنت غادر، سير هاجر حتى عند (فلان) الذي يشجعك، ومع السلامة، اطلع، إن شاء الله في الأخير نراك عبقري، تجتهد، تجتهد، تجتهد لما ترجع تقول لضابط: وجِّهنا واحنا بعدك. أليس هذا اجتهاد مَنْزَل، واترك الناس ينشؤوا أمة واحدة، وربما في المستقبل ما ينفعك إلا هؤلاء الذين أنت تريد أنك تتفرق أنت وإياهم، وتفرق كلمتهم، ويطلعوا قلقين، وتحاول تكسب لك أنصار منهم، يكونون هم على رأيك، وعلى أفكارك، ويطلعوا.. أتركهم ينشؤون على اتجاه واحد، ربما في المستقبل ما ينفعك أنت واجتهاداتك إلا هؤلاء».
[ 6] «عند متأخري الزيدية عندما امتدت إليهم هَبَّة من الروائح الكريهة من جانب شيعة هؤلاء، فدخل المعتزلة ودخل السنيّة، وأصبحوا متأثرين بهم، فكانوا أعلام منحطين، وكان صراع فيما بينهم، لم يكن يحصل مثله بين أئمة أهل البيت (عليهم السلام) السابقين، فتدنسوا هم بسبب ما وصل إليهم؛ ولأنهم لم يكونوا كاملين، لم يحصلوا على الكمال، أو بعضهم لم يحصلوا على الكمال ؛لأن ثقافته كانت معتزلية أو ثقافته كانت سنية، ولا يمكن أن يبلغ رجلاً درجة كمال بحيث يمكن أن يلي أمر الأمة، وهو على هذا النحو؛ لأنه هو أصبح متأثراً بالآخرين، أصبح متأثراً بما هَبّ من جانب أبي بكر وعمر وشيعتهم».
[7] يقصد بالتعيين الإلهي والنص النبوي. والرواية في تفسير (فرات الكوفي 475). وهي طويلة وقوله “والله ما ادعى أحد منَّا ـ لا من ولد الحسن ولا من ولد الحسين ـ أن فينا إمام مفترض الطاعة علينا وعلى جميع المسلمين، فواللّه ما ادعاها أبي علي بن الحسين في طول ما صحبته حتى قبضه اللّه إليه، وما ادعاها محمد بن علي فيما صحبته من الدنيا حتى قبضه اللّه إليه، فما ادعاها ابن أخي من بعده.
ثم قال: فالإمام منا المفترض الطاعة علينا وعلى جميع المسلمين: الخارج بسيفه الداعي إلى كتاب اللّه وسنة نبيه الظاهر على ذلك الجارية أحكامه، فأما أن يكون إمام مفترض الطاعة علينا وعلى جميع المسلمين متكئ فرشه مرجئ على حجته، مغلق عنه أبوابه تجري عليه أحكام الظلمة، فإنا لانعرف هذا”! فبين أن القدوة بالعمل وليس بالتعيين.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *