أخبار المحافظاتالرئيسيةتقارير

لا جمهورية بعد جمهورية 26 سبتمبر

 

لا جمهورية إلا جمهورية 26 سبتمبر و14 أكتوبر، كل التطورات والتعديلات والاضافات يجب أن تكون نابعة من الإطار العام المؤسِّس الذي رسمته هاتين الثورتين.

هناك من يجب تذكيرهم بهذا: إنهم كل من يقولون أنهم جمهوريون وفي أذهانهم مفهوم أو تصور آخر للجمهورية، كما هو حال الحوثيين المفتونين بجمهورية الخميني “الإسلامية”.

لو كانت “الجمهورية الإسلامية” فكرة صالحة وممكنة في اليمن، لكان عقد الستينات من القرن الماضي أنسب وقت لتطبيقها. في ذلك الحين جرى طرح هذه الفكرة بقوة من قبل فصيل مهم من ذوي الميول الاسلامية المحسوبة على الثورة والقوى الجمهورية حينها، بل إن فكرة مشابهة تم بحثها من الجانبين المتصارعين، المعسكر الجمهوري والمعسكر الملكي، كحل وسط في أكثر من جولة مفاوضات: دولة إسلامية لا ملكية ولا جمهورية.

كان محمد محمود الزبيري أبرز المنادين ب”الجمهورية الإسلامية” في مقابل الصيغة الجمهورية المبنية على صورة النموذج الناصري المصري، النموذج الذي نعرف أنه خضع فيما بعد لليمننة والتكييف مع الواقع. وكان الزبيري قد شرع في تأسيس منظمة سياسية أطلق عليها اسم “حزب الله”، وكان يطرح تصور مختلف لنمط من الحكم الديني يضطلع به هذه المرة من أسماه ب”الفقيه المحتسب”، وهي مقولة مماثلة في كثير من وظائفها لمقولة “الإمامة”.

والزبيري لم يكن أحادي المذهب، بل كان يضم، إلى جانب زيديته المنشقة على الإمامة، توليفة واسعة من التأثيرات المذهبية والايديولوجيات الاسلامية السياسية وخصوصا جماعة الاخوان المسلمين.

تخيلوا أن هذه الأفكار طرحت في اليمن قبل ظهور تجربة الجمهورية الاسلامية الايرانية ونظرية “ولاية الفقيه” بأكثر من 15 عام!

الآن الحوثيون يقولون أنهم جمهوريون. حسنا، لكن بأي معنى هم جمهوريون؟ وعلى أي نموذج يتصورون جمهوريتهم هذه؟ هل يقصدون جمهورية غير جمهورية 26 سبتمبر وجمهورية 14 أكتوبر، وغير الجمهورية كقيمة معيارية أساسها حكم الشعب، الجمهورية كمبدأ ومثل أعلى؟ (الاخطاء واوجه القصور التي رافقت الجمهورية كتجربة تاريخية، ليست حجة أو مسوغ للانقلاب على الجمهورية واستبدالها بكهنوت جمهوري).

إذا كانوا يقصدون جمهورية غير جمهورية 26 سبتمبر، وإذا كان هذا هو كل ما يفكرون فيه، فيا لضلالهم وخيبة مسعاهم.

عليهم أن يسألوا أنفسهم هذا السؤال: هل كان كل ما يعيب جمهورية 26 سبتمر فقط هو أنها لم تكن “جمهورية اسلامية” على الطراز الايراني او على اي طراز اسلاموي آخر؟ هل كان هذا هو ما ينقصها وهو ما كان يحتاج اليه اليمنيون؟ ما العبقرية وما هو التعديل او الاضافة الثمينة التي جاء بها الحوثيون فكرا وسلوكا؟

هل اليمن يتطور عكسيا؟ بمعنى هل أمضى خمسة عقود منذ 26 سبتمر 1962 لا يفعل شيئا سوى إعداد نفسه لكي يكون جاهزا ومؤهلا لشكل رديء من “الامامة” قرروا هذه المرة -ويا لذكاءهم- تسميته جمهورية (إسلامية)، وأي إسلام؟ إسلام أحادي المذهب، إنقسامي، في بلد كبير مجبول على التنوع. هل هذا هو كل ما تمتلكة الثورة المضادة لجمهورية 26 سبتمبر من حيلة ودهاء؟

يا له من بؤس حقا!

لقد قامت الجمهورية في شمال اليمن كحالة نقيضة لمبدأ الكهنوت ولنظرية “الولاية” التي لا يجد الحوثيون حرجا في الاحتفال بها على نحو مبالغ فيه ولا ينسجم بأي حال مع مزاعمهم بأنهم جمهوريون.

وكان ذلك التحول المتمثل في إعلان الجمهورية مسبوق بمحاولات شبه ثورية لادخال اصلاحات وتعديلات في نظام الامامة. وكانت حركة 1948 تسعى إلى تطبيق شكل من أشكال الملكية الدستورية. لكن جميع تلك المحاولات باءت بالفشل.

 

إذا لم تكن لديك فكرة أو صيغة أرقى وأنسب وأكمل وأحدث من جمهورية 26 سبتمبر و14 أكتوبر، فإن عليك أن تخجل قليلا وأن تخرس وأن توفر على البلد ضررك ومحقك.

أما أن تزعم بأنك جمهوري، وتكون فكرة البطنين هي كل ما تحمله في جعبتك من إضافات، فقد أتعبت نفسك بالتظاهر بالجمهورية ولن يصدقك احد. تستطيع أن تأخذ على التجربة الجمهورية ما شئت من المآخذ، لكن وأنت تفعل ذلك وتحشد القرائن وتستدعي النقائص، عليك أن تعرض في المقابل خطتك البديلة ورؤيتك ومثالك الجديد الذي ينبغي أن يكون متفوقا وعظيما، وليس خرافة بائدة قوامها وجوهرها يتعارضان مع مبادىء المساواة والحرية والعدالة.

جمهورية إيران الاسلامية كانت وصفة من تجميع الخميني. وقد قام بتضمين صورة من صور الحكم الديني الكهنوتي في تركيبة غريبة صُمّمت لكي تحل محل نظام ملكي وراثي أقرب للعلمانية.

ومع ذلك فجمهورية الخميني نفسها ليست نموذجا جذابا يغري باستنساخه في كل زمان ومكان. كانت حالة تاريخية في سياق اجتماعي وحضاري وثقافي معين، وكان لها مكوناتها وظروفها وجذورها وخصائصها.

بالعقل يا مغفلين: هل كانت مشكلة اليمنيين أن حكامهم الجمهوريين لم يكونوا من البطنين؟ يعني في عرفكم أن النسخة الصحيحة من الجمهورية هي التي يهيمن عليها عيال الولاية والبطنين! من الأفضل أن تكشفوا حقيقتكم بشكل واضح، على الأقل ستكون لديكم فضيلة واحدة تحصلون بموجبها على التقدير، إنها فضيلة الشجاعة.

الحوثيون تحديدا لا يستطيعون الالتفاف على الجمهورية بالادعاء والحيلة، فهم إما أن يؤمنوا وأن يندمجوا قولا وفعلا في جمهورية 26 سبتمبر بشكل حقيقي وكامل ومبرهن عليه؛ أو أن يتحملوا النظر إليهم باعتبارهم مشروع كهنوت وإمامة.

ليس لديهم خيار آخر. لا ولاية فقيه ولا جمهورية إسلامية ولا غير ذلك من السخافات. إلا إذا كان ذلك على رقعة صغيرة من اليمن يقتطعونها بالقوة والارهاب، فهذا أمر آخر.

 

#اليمن_الجمهوري

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *