الرئيسيةتاريختاريخ الجمهورية

ملخص مقدمات ثورة 26 سبتمبر المجيدة

 

لم تكن ثورة 26 سبتمبر 1962، عملا ارتجاليا أو تلقائيا، نتيجة ظروف سطحية طارئة، أو مفاجئات لم تكن في الحسبان، بل كانت حصيلة نضالات وحركات خاضها المناضلون الأحرار طيلة عقود بهدف تغيير واقع الشعب والتحول نحو الدولة العادلة.

كما لم تكن ثورة 26 سبتمبر وليدة العام 1962، بل سبقتها موجات من الإرهاصات الثورية طوال عهود طويلة من العذاب والألم عاشتها البلاد تئن تحت وطأة الحكم الرجعي العتيق، وتمثلت هذه الأرهاصات في عدة انتفاضات وحركات ثورية قام بها الشعب اليمني قبل ذلك ولكنها انتكست نتيجة تحالف القوى الرجعية والاستعمارية ضدها.

 

ثورة 1948

 

وقد مثلت الثورة الدستورية في فبراير 1948، أول تحرك جاد لإسقاط سلطة الإمام يحيى، واستبدالها بإمامة دستورية توافق عليها الأحرار، مع بعض الشخصيات التي كانت مقربة من الدولة المتوكلية، إلا أنها رأت ضرورة التحرك لإخراج اليمن من مستنقع الظلام.

لقد ظل الإمام يحيى بن حميد الدين يحكم اليمن قرابة 40 عاما، حكما فرديا على نمط العصور الوسطى عن طريق إثارة الفتن والنعرات بين فئات الشعب والتخلص من قيادات القوى الشعبية بالنفي والاضطهاد والاغتيال.

وبسبب سياسات الإمام وفشله في تنفيذ الإصلاحات أو الاستجابة لدعوات النصح والإصلاح، قرر الثوار التخلص منه، وإعلان ملكية دستورية، وفعلا نجح البطل الثائر علي ناصر القردعي من قتل الإمام يحيى في 17 فبراير 1948، ومن ثم تم تنصيب عبدالله الوزير ملكا، لكن هذه الثورة سرعان ما انهارت بعد 25 يوما بسبب الكثير من العوامل الموضوعية، أبرزها أنها لم تتمكن من التخلص من ولي عهد الإمام، أحمد حميد الدين، والذي كان ذكيا ويمتلك قدرة على التأثير والحشد.

وفعلا نجح أحمد حميد الدين في التحرك صوب حجة، وجمع حوله القبائل وحرضها على المقاومة، ثم اقتحم صنعاء معلنا فشل الثورة والقبض على رجالها واقتادهم إلى ميادين الإعدام، والبعض الآخر دفع بهم إلى ظلمات السجون، من ضمنهم عبدالله السلال الذي تولى الحكم بعد ثورة 26 سبتمبر التي أطاحت بأحمد حميد الدين بعد 14 سنة من ثورة 48.

في كتاب “اليمن ثورة وثوار” لخص الكاتب “عبد الرحيم عبدالله”، أسباب فشل ثورة فبراير عام 1948، مقسما إياها إلى ثلاثة أقسام، استراتيجية وداخلية وخارجية، أما الاستراتيجية، فلخصها في أن الثورة لم تكن تمتلك استراتيجية كاملة وتكتيك ملائم ومدروس، وهذا اتضح من خلال عدم قدرتها على تحديد ساعة الصفر، إضافة إلى غياب التنسيق، ففي الوقت الذي نجحت الخلية التي في صنعاء بقيادة القردعي في اغتيال الإمام يحيى، فشلت خلية تعز في اغتيال ولي العهد أحمد حميد الدين، كما أن هذه الثورة لم تضع في الحسبان احتمالات المقاومة والثورة المضادة، ولم تضع استراتيجية وتكتيك لحماية النصر الذي حققته في البداية، كما خلص إلى أن الثوار ركزوا على صنعاء وأهملوا بقية المحافظات.

ومن الناحية الداخلية، لم يعتمد التنظيم الذي خطط للثورة، على الجماهير، ما جعله يعمل بعيدا عن الشعب، ولم يكسب قاعدة شعبية للثورة، كما أن النضوج السياسي والفكري لم يكن قد قضى بعد على المعتقدات الخرافية والشعوذة الإمامية التي سيطرت على عقول البسطاء من أبناء الشعب.

ومن الناحية الخارجية، اعتمد الثوار في 48 على التأييد الخارجي، خصوصا من جامعة الدول العربية، التي كونت لجنة خاصة لزيارة اليمن لاستقصاء الحالة عن قرب، ولكن الجامعة لم تكن تملك القدرة آنذاك على تفهم معنى قيام حركة ثورية كهذه الحركة، في وقت كانت المنظقة العربية تخضع لظروف خاصة، وبالتالي فقد عجزت الجامعة العربية عن حماية هذه الثورة.

 

حركة 1955

 

المحطة الثانية في مسيرة النضال ضد الإمامة تمثلت في حركة مارس 1955، فبعد فشل ثورة 1948 انتشرت حملات الدمار والنهب والاستغلال والقتل والاضطهاد، ولم يترك الإمام أحمد وأذنابه قبيلة ولا مدينة إلا وأطاح من أبنائها بالكثير، وفي ظل هذه الظروف، خبت الحركة الوطنية حينا، ولكنها نمت ولم يخمد أوارها المتأجج، وعندما سنحت أول فرصة أمام الحركة الوطنية سارعت إلى استغلالها.

وتمثلت هذه الفرصة في الخلافات الحادة بين أفراد الأسرة المالكة التي كانت من نتائجها خروج الأمير عبدالله عن طاعة أخيه الإمام أحمد، وهنا تهيأت للحركة الوطنية فرصة استغلال الأمير عبدالله للقيام بحركة تطيح بالإمام أحمد.

وفعلا تم اللقاء بين الأمير عبدالله وبين عدد من رجال الجيش وفي مقدمتهم المقدم أحمد الثلايا، والنقيب محمد قائد سيف، وآخرين من الضباط وبعض المدنيين الذين كان وضع البلاد يقلقهم ويشغل بالهم.

وانتهز هؤلاء حادثة اصطدام بعض جنود الجيش بقبائل منطقة الحوبان وبادروا بتنفيذ خطتهم من خلال إقناع الجيش بضرورة القيام بالثورة، وتم تنفيذ المخطط المرسوم، حيث اضطر الإمام أحمد تحت ضغط تهديد الجيش المرابط أمام قصره في تعز إلى التنازل كتابة عن الإمامة لأخيه عبدالله، وفرضت على الإمام أحمد العزلة والحصار، ورغم ذلك نجح بمساعدة نجله البدر في الفرار إلى حجة، وبدأ البدر بالمقاومة من هناك ضد الحركة الجديدة، وتمكن الإمام أحمد من استعادة عرشه بعد ثلاثة أيام فقط وسارع بإعدام قادة حركة 55 وفي مقدمتهم المقدم أحمد يحيى الثلايا والأمير عبدالله والأمير العباس دون محاكمه، بينما تمكن النقيب محمد قائد سيف من الفرار إلى عدن.

ومن الأخطاء التي وقعت فيها هذه الحركة، انعزالها في مدينة تعز، ولم يكن لها تخطيط سياسي شعبي، ولم تحاول أن تمد نفوذها إلى باقي المناطق الأخرى، كما أن بعض أعضاء الحركة الوطني عارضوا الثورة لاشتراك بعض أفراد الأسرة المالكة فيها، وكانوا يرون أن أفراد الأسرة المالكة تزعوا الثورة من أجل أطماع خاصة.

 

حركة مارس 1961

 

ومن الحركات المهمة في تاريخ النضال ضد الإمامة، حركة 6 مارس 1961، والمتمثلة في محاولة اغتيال الإمام أحمد في الحديدة، وقد قام بهذه الحركة الملازم عبدالله اللقية والملازم محمد عبدالله العلفي، ضابط مستشفى الحديدة، ومحسن الهدوانة، وكانت بمثابة التمهيد للثورة الأخيرة.

وقد بقيت أسرار هذه المحاولة غامضة إلى ما بعد قيام ثورة 26 سبتمبر 1962، حيث اتضح لاحقا أن هناك ضباطا ومدنيين كانوا قد اشتركوا فيها للإطاحة بالإمام أحمد، منهم عبدالله السلال، الذي كان يشغل منصب مدير عام ميناء الحديدة، وقد تم تنحيته من منصبه بعد هذه الحادثة، ونقل على إثرها إلى صنعاء.

نجح الثوار الثلاثة في استهداف الإمام أثناء زيارته إلى المستشفى في الحديدة، إلا أنه لم يمت، وكانت النتيجة مقتل البطلين عبدالله اللقية ومحمد العلفي، وقد تم إعدام اللقية في ميدان العرضي بتعز، بعد أن دار سجال رائع بينه وبين هيئة المحكمين، كانت الغلبة له فيه رغم أنه كان في وثاقه، وقيل أن البدر هو من قام بقتله.

وقد ظل الإمام أحمد طريح الفراش متأثرا بجراحه التي أصيب بها في مستشفى الحديدة، قرابة عام ونصف، إلى أن توفي في 18 سبتمبر من العام 1962، ليتولى الحكم بعده نجله محمد البدر، والذي لم يستمر فيها سوى 6 أيام، بعد أن أطاح به الثوار صبيحة السادس والعشرين من سبتمبر.

وهكا استفادت ثورة 26 سبتمبر المجيدة من دروس حركات وثورات 1948 و 1955، لينجحوا في إقامة النظام الجمهوري في 26 سبتمبر، ويبدأوا مرحلة جديدة من مراحل البناء والنضال لمقاومة فلول الإمامة وترسيخ دعائم النظام الجديد.

 

#اليمن_الجمهوري

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *